الذهبي

113

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

كبرائها . فأتى فاس ، وأظهر الأمر بالمعروف ، وكان جلّ ما يدعو إليه علم الاعتقاد على طريقة الأشعريّة . وكان أهل المغرب ينافرون هذه العلوم ، ويعادون من ظهرت عليه . فجمع والي فاس الفقهاء له ، فناظرهم ، فظهر عليهم لأنّه وجد جوّا خاليا وناسا لا علم لهم بالكلام ، فأشاروا على المتولّي بإخراجه . فسار إلى مرّاكش ، وكتبوا بخبره إلى ابن تاشفين ، فجمع له الفقهاء ، فلم يكن فيهم من يعرف المناظرة إلّا مالك بن وهيب ، وكان متفنّنا قد نظر في الفلسفة . فلمّا سمع كلامه استشعر حدّته وذكاءه [ ( 1 ) ] فأشار على أمير المسلمين ابن تاشفين بقتله ، وقال : هذا لا تؤمن عائلته ، وإن وقع في بلاد المصامدة قوي شرّه ، فتوقّف عن قتله دينا ، فأشار عليه بحبسه ، فقال : علام أسجن مسلما لم يتعيّن لنا عليه حقّ . ولكن يخرج عنّا . فذهب هو وأصحابه إلى السّوس ، ونزل تينمل . ومن هذا الموضع قام أمره ، وبه قبره ، فلمّا نزله اجتمع إليه المصامدة ، فشرع في بثّ العلم والدّعاء إلى الخير . وكتم أمره ، وصنّف لهم عقيدة بلسانهم ، وعظم في أعينهم ، وأحبّته قلوبهم . فلمّا استوثق منهم دعا إلى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، ونهاهم عن سفك الدّماء ، فأقاموا على ذلك مدّة ، وأمر رجالا منهم ممّن استصلح عقولهم بنصب الدّعوة . واستمال رؤساء القبائل ، وأخذ يذكّر المهديّ ويشوّق إليه ، وجمع الأحاديث الّتي جاءت في فضله ، فلمّا قرّر عندهم عظمة المهديّ ونسبه ونعته ، ادّعى ذلك لنفسه ، وقال : أنا محمد بن عبد اللَّه ، وسرد له نسبا إلى عليّ عليه السّلام ، وصرّح بدعوى العصمة لنفسه ، وأنّه المهديّ المعصوم ، وبسط يده للمبايعة فبايعوه ، فقال : أبايعكم على ما أبايع عليه أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم ورسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم ، وصنّف لهم تصانيف في العلم ، منها [ ( 2 ) ] كتاب سمّاه « أعزّ ما يطلب » ، وعقائد على مذهب الأشعريّ في أكثر المسائل إلّا في إثبات الصّفات ، فإنّه وافق المعتزلة في نفيها ، وفي مسائل غيرها قليلة . وكان يبطن شيئا من التّشيّع . ورتّب أصحابه طبقات ، فجعل منهم العشرة ، وهم الأوّلون السّابقون إلى إجابته . وهم الملقّبون بالجماعة .

--> [ ( 1 ) ] في الأصل : « وذكائه » . [ ( 2 ) ] في الأصل : « منهم » .